This website is being formatted... please be patient until we finish our upgrading...

الأحد، شباط ١٢، ٢٠٠٦

طائر السنونو والبرد


قال السنونو:
لماذا تلاحقني وكأنّي طريدتك الوحيدة ؟
ألم تجد غيري ضعيفاً لتستقوي عليه ؟
أليس لك أحد غيري لتدخل أحلامه في أيّام الصيف ؟
ألا يوجد في فكرك إلاّ أنا كي تثير حزنه ؟
لماذا لا ترحل عنّي ؟
الا يكفيك طردي من منزلي ومن أرضي ؟
ألا يكفيك إجباري على العيش في مكان لست لا منه ولا له ؟
لماذا تبعتني إلى هذه الأرض الغريبة ؟
هل لتقول أنّك نادم أم لتعذّبني وتطردني من جديد ؟
فقال البرد :
أنا من قتل بلادك بقوّته ،
أنا من يعرف أنّها اليوم عادت إلى الحياة لأنّي تركتها .
فقال السنّونو :
ولماذا تقتل بلادي ثمّ تتركها فتقوم من بين الأموات ؟
قال البرد :
إنّي أجرّب سكّان بلادك ..
قال السنّونو :
وكيف ذلك ؟
قال البرد :
إنّ من يخافني من أمثالك يرحل فوراً ما إن يراني ،
أمّا الأقوياء الذين لا يهابوني يقفون في وجهي طيلة فصل الشتاء حتّى أكلّ من مصارعتهم ،
إنّ كلّ هدفي هو التميّيز بين الجديرين باسم مواطن وبين من هم غير كذلك ..
فقال السنّونو :
إن كنت أنا من ولدت في هذه الأرض وبيتي في هذه الأرض لست مواطناً فمن يكون كذلك ..
قال البرد :
تلك الأرزة على سفح الجبل ، تلك الّتي لم يستطع أحد أن يهزّها من مكانها ،
لم يستطع أيّ أحد مهما بلغت قوّته .
فقال له السنّونو :
حتّى أنت !
قال البرد :حتّى أنا...

الأحد، شباط ٠٥، ٢٠٠٦

“صحّ النوم”


كأن الكفر بالله محلّل والكفر بالأنبياء لا… أو كأنّ ما تسمعوه اليوم شيءٌ جديد…
كأنّ من طال بحريته محو اللّه من الوجود لم يحذف معه كلّ الأنبياء، ولم يضرب عرض الحائط بإيمان الملايين…كأنّ من تتعاملوا معهم غير ماديين، هم من ليس لهم من سببٍ للاعتذار إلا أسباب إقتصادية بحتة…
أتذكرون كيف أهين المسيح؟ وكيف صوروه مغايراً للحقيقة… لم يكن وقتها مجرد كاريكاتور بل كتب وأفلام…
لكنّي لا ألومهم لما فعلوا…
لماذا؟
لأنّها هي الصورة التي يراها الغربي عنّا… لأن هذا هو ما يعرفه عنّا…
نحن إرهابيون…
كلّنا إرهابيون…
ماذا تريد أن يرسم كاريكاتوري وهو يحسّ في قرارة نفسه بخوفٍ على حياته بينما يركب الحافلة أو القطار وهو متوجهٌ إلى عمله؟…
هو يرى أنّ لديه الحضارة والأمن والسلام، ويرى بالعين الأخرى البرابرة المتشددين القادمين من الشرق يريدون محو هذه الحضارة…
لكن هؤلاء الذين يتغنون بالحرية لا يروا أكثر من أمام أعينهم…
فلو كنت مكانهم لرسمت بدل النبي محمد (صلعم) رؤساء بلادهم وهم يحملون في رؤوسهم القنابل الموقوتة ضد شعبهم…
فليس النبي محمد (صلعم) ولا غيره من الأنبياء هم من دعموا أنظمتنا القمعية الغير مستقرة… فلم نجد من مجالٍ يشفي جراحنا إلا التشدد الديني…
وليس النبي محمد (صلعم) ولا غيره من الأنبياء هم من استعمرونا وسرقوا خيرات أرضنا ولا زالوا…
وليس النبي محمد (صلعم) ولا غيره من الأنبياء هم من يتدخلون باقتصادنا وحياتنا اليومية…
وليس هم من يغضون الطرف ظلماً عن موت إخوتنا في فلسطين والعراق…
هل بحث سكان هذه الدول عن السبب الذي قد يدفع أحدهم أن يأتي من بلاده ليفجر نفسه في بلادهم دون أن يعرفهم من قبل؟…هل فكروا يوماً ماذا ستكون ردة فعل من يرى بأم عينيه موت عائلته؟…
هم أيّها الإخوة ينتفضون لحريتهم في أن يقولوا ما يشاؤون… ونحن ليس لنا الحرية أو الحق بالحياة…

فمن استفاد ومن خسر؟
أصبحت اليوم وبفضل غبائهم المحرر حجةٌ أكبر لمجاهدين…لا بل أصبحت أعدادهم أكبر…
هم خسروا المال ومحبة الناس، وأعطوا وقوداً للأصولية النامية في المنطقة وصار الشرخ أكبر بين الشرق والغرب…

وأنتم أيها العرب: لكم أقول “صح النوم” متمنياً من اللّه تعالى ألا تكون صحوة الموت…وأخيراً توحدتم حول قضيةٍ واحدة، كانت موجودةً أصلاً…
د. ساسين ميشال النبوت

الجمعة، شباط ٠٣، ٢٠٠٦

الاستقرار والانهيار...


النظام، كلمة تكاد لا تفارق أفواه مذيعي الأخبار ولا أقلام الصحفيين، ونحن نمرّ بقربها كلّ يومٍ مرور الكرام. قاموسياً فهو يعني: ما يسيّر، أو ما يدير، أو ما ينسق، أو ما يقود... ومن صفاته اللغوية: القيادة، السيطرة، التنسيق، الإدارة، التعاطي، التطور، التأقلم... والأنظمة العالمية الحالية مقسّمة بين ديموقراطية، إشتراكية، ديكتاتورية، رأسمالية ،راديكالية وملكيّة.
من يركّز قليلاً في المعنى يعرف على الفور أنّ النظام يسيّر ويدير، ينسق ويقود. ولا يمكنه أن يكون واحداً من المعاني لوحده... ما أقصده هنا هو النظام المثالي. فالنظام الذي يسيّر فقط هو الديكتاتوري... والذي يدير فقط هو مجرّد تكنوقراط... الذي ينسق ويتطور هو الديموقراطي... والنظام الذي يقود هو من يملك كلّ هذه الصفات...
ومن يمعن النظر في أنظمتنا العربية يجد أنّ فيها حفنةٌ صغيرة من كلّ ما ذكرت، وتكون صفاتها حسب الحفنة الأكبر حجماً. وطبعاً السيطرة هي الأكبر عند الأكثرية...
قد يكون فيها بعض مظاهر الديموقراطية... لكنّها تبقى مظاهر... فهي كذلك فقط يوم الإنتخابات... فما من شكّ في صدقية الإنتخابات في العدد الأكبر من هذه البلدان... لكن هناك شك في ظروف الإنتخابات، أكانت شعارات أو تحمية طائفية أو شراء مفاتيح إنتخابية أو شراء الناس عبر الضغط الترهيبي أو الترغيبي (المال)، ناهيك عن استغلال حلقة الفقر المفرغة التي أغرق بها النظام شعبه...
هي إشتراكية في بعض زواياها... لكنّ المشتركين فقط هم الطبقة الفقيرة العاملة... وهي لا تنطبق على البكوات...
هي رأسمالية فقط بأشخاصها الحاكمين... طبعاً فالمال هو حارس الكراسي وتاجرها... لكنّها تفتقد إلى هدف التطور، بهدف إبقاء الناس في الحلقة المميتة...
هي ديكتاتورية لأنّها تستأثر بالسلطة دون أخذ آراء الناس واعتبار أنّ كل ما يقولوه خيانة وتآمر...
هي راديكالية لأنّ تنوّع الطوائف المطعّمة بالطائفية العمياء ينفي الوطن ويفتح آفاق أطماع التوحّد الذاتي والتقسيم... ويغيّب عادةً مبدأ الوطن أو يسحب من التداول في الأوساط الجماهيرية... لأنه هو الحل الوحيد للحلقة المفرغة...
هي ملكية لأنّ الحكم يرتكز على شخصٍ واحد دون سواه... ولا يمكن للشعب مجرد التفكير أنّه سيموت يوماً لأنّ ذلك سيعني موت الوطن... لكن ما إن يموت يتفاجأ الجميع بابنٍ محضّر في مكانٍ ما ليحلّ مكانه... وتحلّ الفرحة... فيموت الملك ويحيا الملك... والناس يزداد فرحهم لأنّ أذهانهم ثقيلة، ولا يمكنهم تحمّل فكرة تغيير إسم قائدهم المبجّل...

جميلٌ جداً تنوّع أنظمتنا... فهي نسخة طبق الأصل عنّا... فنحن لا نعرف معنى النظام الحقيقي... نحن نلوم أنظمتنا العظيمة على ذلك، لكننا في الحقيقة يجب أن نلوم أنفسنا... وأذكر هنا هذه الكلمات المبجلة: كما تكونون يولّى عليكم...
فنحن أشخاصٌ فاسدين، ولا يمكن لنا الاستمرار إلا في أنظمةٍ نتبادل معها الخدمات... "أبيعك ما تريد مقابل صمتك عن أخطائي"...
نحن أشخاص نحبّ الذل... ونحبّ أن نحني رؤوسنا أمام عظمائنا الحكام... فإن بصقوا في وجهنا نعتبرها بركة... إن نكّلوا بنا فهذا لمصلحة الأمن القومي... إن سلبوا حقوقنا نشكرهم لأنّنا أصلاً لا نستحقها...
هل فكر أحدكم يوماً ماذا يحسّ قادتنا عندما يكون الناس راكعين عند أقدامهم لطلب وظيفة هي أصلاً حقٌّ لهم... يحسون أنهم آلهة زمانهم... يتحننون بنظرة إلى المساكين... ولا يقومون بعملٍ إلا ليراهم التعساء... يغدقون على واحدٍ ويحرمون مليوناً... طبعاً فليس لديهم الوقت لأمثالنا نحن الحثالة... فننتظر كذلك الكسيح المسكين الذي لم يستطع الوصول إلى البركة ليشفى لأنّ هناك من يسبقه دوماً عندما يحرّك "الملاك" الماء فيها...
قد يكون لنا قلب... لكن ليس فينا من فكر... تقودنا العاطفة والعصبية... فيدفعونا أمواجاً بأيّ جهةٍ يريدون، ويجعلونا نتلاشى ونختفي بمجرد وصولنا إلى أي برّ، إذ يجب ألا نرسو أبداً...

هل فكر أحدكم يوماً ما يخيف النظام وما يجعله قوياً؟... هو حضراتكم أيّها السادة... فهذه الأنظمة الهشة تخشى دوماً أن يستفيق أحدكم من سبات الشعارات التافهة والوطنية الزائفة والطائفية المسمومة، ليقلب الدنيا على رأسهم... وهي ترفض دوماً الاعتماد عليكم رغم أنّكم قوّتها الوحيدة الحقيقية... لا بل تبقى دوماً في حالة عداء طوعاً أو قسراً، غير عابئةٍ بما قيل: "لو دامت لغيرك لما آلت إليك"...
فماذا يخشى النظام إن كان شعبه كلّه نظام؟... لماذا يخاف النظام إن كان لخدمة شعبه لا لخدمة مصالحه الشخصية ومصالح عواصم القرار؟... لماذا عليه أن يستجدي دولاً أخرى لاستقراره أو انهياره؟... من ذا الذي جعلها دول قرار غير جهلنا وأنانيتنا وآنيّتنا؟...

د. ساسين النبّوت
http://www.kadmous.org/

الأربعاء، كانون الثاني ١١، ٢٠٠٦

زمن العرّافين والتافهين


يرتكز مبدأ الإعلام على أفكارأدولف هتلر… فكما قال في كتابه “كفاحي”: “كرّر ثم كرّر العبارات ومهما كانت تافهة فيحفظها الناس”…لاحظوا أنفسكم مثلاً وأنتم تستمعون إلى إحدى إذاعات الموسيقى والأغاني… فتكرر الإذاعة نفس الأغنية على مدار الساعات إن لم نقل الدقائق… ماذا يحدث: تحسّون في قرارة نفوسكم كرهاً لهذه الأغنية، لكنّم لا تستطيعوا ضبط لسانكم ومنعه من تردادها رغم تفاهة كلماتها… ونفس المبدأ ينطبق على الدعاية وكل البرامج التلفزيونية…
بالنسبة لكلّ هذه الوسائل الإعلامية المواطن هو مجرد رقم… يجعلها الإذاعة الأقوى أو الأولى أو الأعظم على وجه الأرض… وهناك مجموعة من المتخصصين الذين يدرسون ويسهرون الليالي لأستقطاب العدد الأكبر منكم… ويبيعون أفكارهم ليُسيطر عليكم… ولا شك أنّهم يدرسونكم… ويخترعون طرقهم على أساس ما يشغلكم في الوقت والمكان والظرف الذي تعيشون فيه…
وبما أنّه لم يعد للبنانيين أكثر أهمية من معرفة المستقبل، فاستقدمت إذاعات الوطن كلّ أفواج العرافين والمنجمين والضاربين بالمندل… والذي تقاضى كلّ منهم على أساس ما أصاب من أهدافٍ في العام المنصرم…فراح كلٌّ منهم يجود بما يعرف عن كلٍّ منّا…

فقد علموا أنّ برج الأسد سيهاجم بعنف الحمل… وكما تعلمون فصراعهم كان منذ البدء… لكنّ الأسد سيعرف أياماً صعبة في شهر حزيران… وسيكون حاضراً للحب في التاسع عشر من أيّار…
واكتشفوا أيضاً أنّ نطحة الثور أقوى من نطحة الجدي لأنّ كواكبهما بعيدة… وأن السرطان يسبح في الدلو ويذوب فيه… وأمّا الحوت فينتظر سهم القوس الذي لم ينطلق يوماً، لكن ربّما يطير من يده في أيلول… وهذا احتمال وارد ولا نهاية لصلاحيته حتى بعد خمس سنوات…
كما قيل أنّ العذراء ستبقى كذلك، لكنّها ستعرف الكثير من مغامرات الحبّ العاصفة…
ويحضر هؤلاء معهم مجموعة من وجوه الشاشة كشهود على كذبهم… ووجوه الشاشة هم أنبياء هذه الأيّام، الذين لهم قضية، ولا يمكن لا بيعهم ولا شراءهم أو إجبارهم!…

والقديم الجديد هو لعبة الحياة والموت… فقد صاروا يقرأون ما كتب اللّه على جباهنا… وحصوا ساعات حياتنا…لا بل صاروا محور سياسة
الدولة… والقوى الأمنية لم تعد تعرف أين سيقع الإنفجار من دون مساعدتهم… ومن سيموت… ومن هو التالي… كيف؟ وأين؟ ومتى؟…
أقوالهم تشلّ الناس في بيوتهم لساعات… ثم يظهرون فجأةً على الشاشة الصغيرة لينكروا ما أشيع…
حتى أنّ أحدهم، وهو الأشهر بينهم رفض التوقّع ليلة رأس السنة لأسبابٍ نجهلها، فبكى كثيرون لأنّهم لن يعرفوا مصيرهم في السنة القادمة كما ارتعدت فرائص أناسٍ كثيرين… ليسترنا الله من السنة القادمة… اللّه يعلم ما ينتظرنا… ناهيك عن أنّ الناس لازموا بيوتهم لأنّ عظمته أو أصداء عظمته قالت أنّ انفجاراً سيقع في تلك الليلة، فشلّ حركة البلد…

باللّه عليكم… أصار أمننا القومي في يد هؤلاء؟… أصار اقتصادنا ورقةً هشّة تتطاير أمام كذب المحتالين الأبالسة؟…
هل تخافون الموت؟… ماذا سيختلف إن عرفتم أنّ الموت سيأتي إليكم أم لم تعرفوا… هل ستستطيعون منعه أو إيقافه أو تغيير رأيه؟… أليس الأهم أن تكونوا دوماً حاضرين له؟…
هل يهمّكم أن تعرفوا إن كانت أوقاتكم ستكون سهلةً أم عسيرة؟… ما الفرق إن عرفتم أم لا ما دمتم لا تؤمنون بأن هناك من يأبه لأجلكم في كلّ الأوقات… من يحبّكم في كلّ الأوقات… ما دمتم لا تؤمنون بأنّه هناك إلهٌ لهذه الدنيا، وليس هناك من تسيّب…
تريدون أن تعرفوا متى تكون علاقتكم جيدة مع الحبيب؟ ألا يجب أن تكون هذه العلاقة جيدة دائماً على الأقل مع الحبيب، ومع كلّ الناس، وفي كلّ الأوقات؟؟؟…
تريدون أن تعرفوا متى تقعون في الحبّ؟؟ أنتم واقعين فيه منذ ولادتكم لأنّكم ثمرة حبّ…
تريدون أن تعرفوا عن أعمالكم؟… لم أسمع حتى اليوم أنّ هناك أعمالٌ تعرف الازدهار ولا تعرف الإنكسار والعكس صحيح… وتذكروا دوما هذا القول:” اللّه أعطى واللّه أخذ”…
تريدون أن تعرفوا الطقس… انظروا صوب البحر… فلا حاجة لمنجّمين لارتداء الأكمام القصيرة والطويلة…
إن أردت السرد فلن تسع كتبٌ ذلك…
لي سطرٌ واحد أزيده على ما قلت: كذب المنجّمون ولو صدقوا، فاحذروا أضاليلهم…

الثلاثاء، كانون الثاني ١٠، ٢٠٠٦

مرضٌ أم عقاب؟


كان الطيش يملأ رأسه منذ صغره… وككل أبناء جيله لم يدع شيئاً يمرّ من أمامه إلا وحصل عليه… فلم يوفّر لا الفتيات، ولا السجائر، ولا حتى المخدرات… كان يتباهى عليهم… كم صاحب من فتيات؟… كم مرّة مارس الجنس في اليوم؟…
كانت الدنيا في ناظريه مطية فرس… إلى أن أتى اليوم الذي دبّ الذعر في قلوب الشباب، إذ علموا أنّ واحدةً من الفتيات التي يحومون حولها حاملة لفيروس السيدا… وكان شابّنا العزيز واحداً منهم… فتطايروا صوب المختبرات وكلّ واحدٍ كان يتلقى نتيجته وهو مغمضٌ عينيه ( مع التذكير بأن فحص السيدا يكون مفيداً إن أجري بين اليوم الخامس عشر والشهر بعد التعرض، وهذا متعلق بنوعية الفحص الذي يملكه المختبر، لكن ليس هناك بعد من فحوصٍ ممكن أن تكشفه قبل مرور أسبوعين على التعرّض)…
يومها بدأت قصة شابّناالمسكين… فقد رفضت العاملة التقنية في المختبر إعطاءه النتيجة، وطلبت منه أن يأتي في اليوم التالي ليستلمها من الطبيب شخصياً… سألها عن السبب فقالت: إفرح ليلةً بعد… حلّت كلماتها عليه كثقل الجبال… انعقد لسانه… وخرج ليعدّ من حينها الثواني ليقابل الطبيب في اليوم التالي… لم ينم طول الليل… كان يرتعش من الخوف هو من كان يخيف كلّ أبناء الحي بحجمه وقوّته…
في اليوم التالي زفّ إليه طبيب المختبر الخبر المريع… فخرج متثاقلاً لا يرى أمامه… واسودّت الدنيا في ناظريه… فغرق في غرفته حزيناً يائساً… أطفأ جهازه الخليوي، وأغلق أبوابه بإحكام… بين يديه المرتجفتين كان يحمل ورقة الفحص غير قادرٍ على التصديق… لماذا؟… لماذا أنا؟… امتلأت عيناه بالدموع… وأحسّ بغصّة كادت تخنقه…
في هذه الأثناء، كانت عاملة المختبر تبثّ في كلّ المنطقة الخبر ( خارقةً بذلك قانون السريّة الطبيّة وقواعد الأخلاق)…
فعرف كلّ أبناء الحي… وأصدقاءه الشباب… والبنات… ووصل الخبر إلى أذني مدير البنك الذي كان يعمل فيه فطرده…
تركه الجميع وحيداً… صار مثل العدوى… أو المرض بحدّ ذاته… لم يعد يزوره أحد… أبعد الأطفال عن دروبه… مطاعم المنطقة رفضت استقباله…
رفاقه صاروا يزدرونه… ونعتوه بألفاظ نابية…
احتاج المال فنكره الجميع… أقلّ ما قيل له ممّن قضى معهم أوقات الفرح الزائل: ابتعد عنّي يا هذا… إنسى أنّك تعرفني…
حتى أهله صاروا يعتبروه عاراً عليهم، وأنّه هو من لطّخ سمعتهم بأوسخ شيء ( بينما كان في نظرهم دون جوان عصره قبل الإصابة)…حتى في نظره، كان كمن سقط من أعلى البرج ولم يعد فيه شيءٌ ينفع… ما فائدة الحياة بعد بالنسبة إليه… ما مستقبله… ماذا سيحصل…الأفكار كانت تملأ رأسه في التهار، وتؤرقه في الليل…أينتحر وينتهي من هذا العذاب؟…
لسببٍ لا يعرفه إلا هو لم يقتل نفسه…في أحد الأيّام أصابه إلتهابٌ رئوي، وكان يحتاج لدخول المستشفى، لكن رفضته كلّ المستشفيات لأنّه يحمل فيروس السيدا… فكان لا بدّ من أن يراه طبيب اختصاصي في هذا المرض… فأوصله سائق كاهن الرعية إلى عيادة الطبيب…وهناك سرد الشاب المنهار قصّته للطبيب، الذي فاجأه وهو يقول:
من أذاعت مرضك للناس تستحق السجن…
من طردك من عملك هو مجرمٌ بحقّ الإنسانية… فمرضك لا يعدي لا باللمس ولا بالنفس ولا بالعناق… ولا أعتقد أنّكم كنتم تمارسون الجنس على طاولات العمل، أو تقضون النهار وأنتم تنقلون الدماء لبعضكم…
المستشفى التي رفضتك يجب أن تقفل بالشمع الأحمر…
مرضك يا سيد، هو مرض ككلّ الأمراض المزمنة… كالسكري مثلاً… وله علاج مجاني ( على نفقة وزارة الصحة)…ما عليك يا سيد هو أن تتّقي بعض الأمور…
فلا علاقات جنسية بدون وقاية (وبدون علاقات أفضل)… لا مشاركة لفرشاة الأسنان، أدوات الحلاقة وكلّ الأشياء المسننّة مع الآخرين… وممنوعٌ عليك أن تتبرع بالدم للآخرين…إن أخذت دواءك بالشكل الصحيح بإمكانك أن تكون شخصاً طبيعياً ( دون النسيان أنّك دوماً معدٍ)…
هل المرض برأيكم عقابٌ على خطيئةٍ نقترفها؟…
أليس من أدانوا هذا الشخص على خطيئته خطأةٌ أيضا؟ً…
لماذا تركه أصدقاؤه عندما أصيب، بينما كانوا ولا يزالون متبارين فيما بينهم على نفس الشيء؟…
لماذا لم ينبّهه أهله في البداية؟…
أليس ما كان يفعله في البدء عاراً عليهم أكثر؟…
أسئلةٌ لضمير القراء…

الخميس، تشرين الأول ٢٧، ٢٠٠٥

سوء إدارة الأزمات

في العادة تقود سياسات الدولة الناس… لكن في لبناننا الحبيب وبسبب غياب التنسيق بين مختلف
أجهزة الدولة فإن هذه السياسات هي مجرد إشاعات يبثها مصدرٌ في جهازٍ إعلامي… وكما تبرق في المشرق وترى في المغرب، تشقّ الأخبار طريقها في كلّ الاتجاهات… كلٌّ يقرأ على طريقته… كلّ يسمع على طريقته… فيبيض الديك وتطير العنزة والذي يقال واحداً يسمعه الناس عشرة… ونتيجةً لذلك يتكبّد الناس فالدولة خسائر فادحة…
والمعروف أنّه في غياب البراهين والاختبارات فأقوال المصادر تفتقد إلى المصداقية حتى وإن كانت نقلاً عن مصادر أجنبية…

في الآونة الأخيرة رمى المسؤولون في الشارع خبر أنفلونزا الدجاج… ثم اختفوا… بينما لا يزال هذا المرض يتفاعل إقليمياً…
اختفوا دون الإيضاح للناس كيف ينتقل هذا الفيروس؟ ما هي عوارضه؟ وكيف يمكن تجنبه؟ هل هناك من لقاح؟ ما الإجراء الذي اتخذوه لحمايتنا؟ هل حقاً يوجد لدينا مختبر باستطاعته تشخيصه؟
أشك في ذلك يا معالي الوزراء والمدراء العامين…
فتصرّفكم المشين دمّر ما تبقى من قطاعٍ زراعي… وأصحاب مزارع الدواجن كسدت أرزاقهم… وأفلس منهم كثيرين… لماذا؟!
لأنّ الناس اعتقدت أنّ هذا الفيروس ينتقل عبر أكل الدجاج، أو عبر أكل بيض الدجاج… فنال مربّي الطيور المنشار القاطع من جهتيه… فهم المعرضون الأوفر حظاً لهذا الفيروس بحكم عملهم، وهم من توقفت أعمالهم بسببه…

فيا مواطني الأعزاء، أقول لكم ما لم يقله معاليهم… ليس لدينا في لبنان أنفلونزا الطيور… وإن وجدت فالدجاجة المصابة لن تصل إليكم
لتأكلوها… كما أنّ أنفلونزا الطيور لا ينتقل عبر بيض الدجاج… وإن اتخذ إجراءٌ جدّي للمكافحة فقد نكون بمنأى عنه…
وأنا ههنا لست لأرجوكم، بل لأقول لكم أنّه يجب التوقف عن الصيد… وطبعاً هذا ليس بأمر، لكنّه دعوةٌ حقيقية للمشاركة في واجبٍ وطني وأنساني…… منبّهاً إياكم أنّه ليس هناك نوعٌ من الطيور يحمل الفيروس معه وآخر لا…

د. ساسين ميشال النبّوت
http://www.sasar.blogspot.com/

الأربعاء، تشرين الأول ١٢، ٢٠٠٥

طفلٌ يكبر

كانت أمي تقضي أوقات النهار بتمرير أناملها بنعومةٍ شديدة على بطنها لتداعبني، فأردّ أنا بركلات خفيفة... وقد أنّها تفرحها لأنّ نبضات قلبها تتراقص فرحاً كلّما فعلت ذلك... ولا أستطيع عدّ الأيام التي كنّا نجلس سوياً، وكانت تقرأ لي قصصاً وأخبار... فتعلّمت الخيال والأحلام وأنا لا أزل في كيس الماء...
كنت رفيقاً يؤنسها كلّ النهار في غياب أبي الذي كان يكدّ ، ليعود في المساء حاملاً أطيب الأطعمة... طبعاً، فبماذا قد يفكّر طفلٌ في طور النمو؟!... أليس بما يستطيع أن يسرق من الغذاء المتوفّر في عروق أمّه... وأقول لكم أنّ أجمل اللحظات عندي كانت عندما أسمع أبي وهو يتغزّل بأمي... وكانت ترتعش أوصالها، ومعها كنت أرتعش أنا، ولا ضير في ذلك كوني الثمرة على شجرة حبهم ... وقد كانت أميّ تخبره بما كانت تحسّ خلال النهار، فيضع أذنه على بطنها كي يسمع نبضات قلبي...
مرّت ستّة أشهر وأنا في بطنها، وكان عدّ الأيام أوّل ما تعلّمته من البشر... وكنت أنصت بتركيزٍ كبير إلى كلّ ما يدور حولي... وأحفظ في قلبي بصمتٍ كلّ ما يقول له البشر أسرار... بما في ذلك أسرار والديّ ... وكنت أزور معها كلّ الأماكن... الأحب على قلبي منها كانت زيارة أقربائي الذين لم أسمع منهم إلا ثناءهم ومحبتهم الكبيرة لها... وكان سؤالهم لها ملازمٌ لأحاسيسي... متى يكون الموعد... متى سألامس هذه الأرض...
لقد انتظرت يوم ولادتي بفارغ الصبر... انتظرته بعدما أحسست بأنّ هذا العالم مليءٌ بالحب والحنان...
في يومٍ من الأيام، تعبت أمي كثيراً من عمل المنزل، خصوصاً وأنّها تتحمل وزني الثقيل... وفي المساء عاد أبي حانقاً مكفهراً، فسألته أمي عن السبب... وما فهمته من حديثيهما أنّ أحدهم، وبسبب خلافاتٍ بين عائلتينا، منع أبي من الترقّي في وظيفته... وكان حزن أميّ شديداً، لدرجةٍ جعلتني أتمنى لو أختصر المسافة بوقتٍ قليل لأنتقم ممّن كان السبب في ذلك... لكن لم يكن لدي القدرة لأخرق الطبيعة، فرحت أنتظر انتهاء مهلة سجني في الرحم، حتى أخرج... أنتظر وأنا أسمع أبي كل يوم يكرر كرهه لهؤلاء... الكره الذي كان آخر ما تعلمته قبل قدومي إلى هذا العالم...
أتى اليوم المنتظر، وكان أفراد عائلتي ينتظرون في الخارج، باستثناء أبي الذي دخل ليمسك بيد أمي، التي كانت تتألم من المخاض...
خرجت إلى العالم، وأول ما قابلته كانت صفعةً من الطبيب على مؤخرتي... وكنت متمنيّاً لو أنّه فهم لغتي في حينها، لكنّي أثبتُ لاحقاً أنّي أكره الأطباء، كما كل الذين يعتقدون أنّهم بضربي يستطيعون تعليمي كيف أعيش... لكن ما هدأ ثورة غضبي كانت أول قبلةٍ أراها مباشرةً... قبلة أعطاها أبي لأمّي...
بعد يومين خرجت من المستشفى، لأمكث لأمدٍ غير محدد في الغرفة التي صنعت وصممت خصيصاً من أجلي... وأكثر ما قمت به كان البكاء، فقد كان وسيلتي الوحيدة للحصول على الطعام...
مرّت سنينٌ خمس، وذهبت إلى المدرسة... وهناك حيثما كان يجب أن أتعلّم، التقيت بابن الذي كان سبباً بتعاسة أمّي وأبي... وماذا حصل؟! هاجمته وأبرحته ضرباً... ولو لم يبعدني أهل النخوة لكنت أكملت حتى مات... فأخذوني وقتها عند الناظرة، التي كانت من أقرباء أبي... فقامت بتهدئتي... وطبعاً سألتني عن سبب تصرفي الأرعن... فقلت ما عندي... لكنّي صدمت بجوابها لي: يا عزيزي... والدك لم تكن له المؤهلات لنيل ذاك المركز... ووالدك هو من غذى الحقد عندما رفضه هذا الرجل...
ماذا تريدون منّي أن أحسّ ذاك الوقت... فلم أعد أرى ما حولي ولا أمامي... وصرت اسمع وأتكلم كمن يهذي.. إلى أن وصلت البيت، وتأكّدت أنّ ما قالته قريبتي صحيح... عندها طبعاً أقفلت على نفسي، ولم أعد أعرف ماذا أقول أو ماذا أفعل...
مرّت الأيام، وتعافيت تدريجياً وبصعوبةٍ كبيرة من الصدمة... وعدت إلى مدرستي... لكنّ الغريب، أنّني كلما كنت ألتقي بذاك الصبي لا أجد نفسي إلا حانقاً غاضباً ، وكنت أضربه حتى بالحجارة إن كان بعيداً عن متناول يديّ... لكنّ قلبي كان يئنَ من ألألم بسبب تصرفي... ولم أستطع يوماً أن أوقف انتقامي التافه ...
فأخذت عهداً على نفسي بأن لا أتكلم عن الكره أمام أولادي، حتى وإن كنت على حقّ... لماذا؟!... لأنّي عرفت ما هي قيمة انتقال الكره بالدم...

د. ساسين ميشال النبوت

السبت، تشرين الأول ٠٨، ٢٠٠٥

قدموس

بينما كانت السفن تحمِّل كلّ الخائفين والمتذمّرين من حالة الوطن... وبينما راحت تتسابق هاربةً لتحافظ على ما تبقى من السلالة التي ليس لها من مثيل في كلّ الأرض... وصل الخبر إلى أذن قدموس، الذي كان يجوب بسفينته في كلّ البسيطة ليعلّم الناس الحرف فصُدم حتى الموت...

أيعقل؟! أيعقل أنّه هو من ترك بلاده ليشعّ نور المعرفة في كلّ مكان يخسر بلاده؟!...
فأوقف رسالته الإنسانية وقفل عائداً إلى أرضه الأم...
نعم، قرّر العودة مع أنّه كان يجدف عكس التيار، ومع أنّ الرياح الغربية كانت تعاكس أشرعته...

وكان كلّما التقى بواحدة من السفن الراكضة يستوقفها مستفسراً... فلا يلقَ إلا جواباً واحداً: هل جننت لتعود إلى الخراب والضياع؟!...
بينما كان ينتهرهم: هل جننتم؟ هذا الوطن... هذا لبنان... أين أنتم ذاهبون؟... ماذا تعتقدون؟... ماذا ينتظركم في الغرب؟... آه! هذا لبنان... هذه الجنّة، أين أنتم ذاهبون؟...
فلم يكن يتلقّى إلا قهقهات الاستهزاء، وكم كان ألمه كبيراً...

ما إن لامست سفينته المياه الإقليميّة حتى تراكضت نبضات قلبه... فأحسّ بفرحٍ غريب رغم الحزن الذي كان يتآكله...
لكنّه ومن بعيد، شاهد الناس يحتشدون عند المرفأ... وعندما اقترب أكثر شاهد أبناء وطن الأرز يقبّلون وهم راكعين أيادي السفراء، ليحصلوا على ختمٍ أو ورقة تخوّلهم ترك الوطن...
فهاله المنظر... وتمنّى لو أنّ البحر ابتلعه وسفينته قبل أن يرى ما رأى...
ما أن لامست أرجله الأرض، ركع وقبّلها... ثم قام بطريقةٍ هجوميّة صوب الناس وراح يصرخ قائلاً:
لبنان هو أرضنا... لبنان حبيبنا... لبنان سلامنا... لبنان راحتنا... لبنان بيتنا... لبنان رسالتنا... لبنان لنا...
لمن تتركوا مساجدكم وكنائسكم؟...
لمن تتركوا بيوتكم؟...
لمن تتركوا قدّيسيكم؟...
لمن تتركوا الأرز؟...
كيف سيعطونكم أرضاً وهم طامعون في أرضكم...
كيف سيحبكم من أنتم دوماً في نظره "الغرباء"...
حيث أنتم ذاهبون لا سلام لكم لأنّكم ستكونون أوّل من يعتقل كلّما تعارك زعيمٌ منهم مع صاحبته...
هل تعتقدون أنّكم قبلتم في بلادهم إلا لتكونوا أجراء...
بلادنا ليس هناك مثل جمالها...
بلادنا ليس لها مثيل أيّها الإخوة...
عودوا... عودوا... عودوا...

من كان له من الناس آذانٌ للسمع في ذاك اليوم وسمع عاد...
وعلم الكثيرون بأقواله فتمسّكوا الوطن...
ومن عرف مدى حبّه لأرضه، أبى أن يحيا إلا في الأكواخ التي بناها أجداده، وأبى ألا يدفن إلا فيها...
ولم يكتف قدموس بنفسه، بل راح يجمع من كلّ حدبٍ وصوبٍ في الوطن كلّ من في نفسه حبّ لبنان... وكلّ من في الغربة ويحنّ لرائحة وهواء لبنان... ومن كان في نفسه خوفٌ من الكلام، شجّعه وساعده حتى يصير طليقاً... من لم يعرف كيفيّة البناء، حمل معه وبنى معه... من عمل حسناً أثنى عليه، مذكّراً إيّاه أنّنا كلّنا للوطن...
من كلّ حدبٍ وصوبٍ لملمهم... وجمعهم كلّهم في حزبٍ واحد، وهو ما لم يقدر على فعله قائد مرّ يوماً على السلطة... جمعهم في حزب لبنان... حزب حبّ لبنان... حيث ليس هناك حقّّاً لا طائفية، لا مذهبية، لا مناطقيّة ولا فئوية...

فيا قدموسنا!
شكراً لما قدّمت وتقدّم من وقتٍ وجهدٍ مجاناً خدمةً للبنان... ورجلاً كنت أم فتاة، فبأعمالك أنت رجل ولا كلّ الرجال...
ولا تأبه إن تركت سفينتك مرافئ البعيد، لأنّك بعودتك إلينا حميت مرفأ الوطن الأبدي... ولأن حرفك اللبناني الأصيل خرق ولا زال يخرق الأزمنة والأماكن... فأنت ومنذ آلاف السنين لم تتوقّف عن تعليم الحوار بالحرف والكلمة لكلّ شعوب الأرض...

د. ساسين ميشال النبّوت

الاثنين، تشرين الأول ٠٣، ٢٠٠٥

الشاعر

عرفت في أيّامي عن واحدٍ من الشعراء المغمورين، الذين لم تُتِح لهم المادة التقدّم في الإبداع... فقد جعلته عبداً للعمل الذي تحكّم به وبأوقاته...
وكان شاعرنا هذا مرهف الإحساس، ورهافة إحساسه جعلته شديد الحزن... لأنّه ليس هناك في هذه الحياة ما يحول دون جرحه... فرؤية الفقير المعدم، والمريض المتألّم كانت تجعل قلبه منقبضاً... حتى الأشياء التي قد نحسد الناس عليها كانت تبكيه...
كان واحداً من الأشخاص القلّة الذين يرون باطن الأمور، ولا يقتنعون بأشكالها الظاهرية... بمعنىً آخر كان لا يكلّم إلا الروح، ويفهم كلّ عذاباتها وأفراحها...
فاتهمه الناس بالضعف لكثرة حنانه وتسامحه...

تعرّف الشاعر في أحد الأيام على فتاةٍ رائعة الجمال، نقية القلب... فوقعا في الحب...
لكن من ذكر أنّ رجلنا كان مرتاحاً... فقد كان الفقر يعذّبه بسياطه...
لكن ما هو أفضل من أن يهدي شخصٌ قصائد لحبيبته؟...

وبما أنّ الفقير عليه دوماً أن يأكل الحصرم، وقع حادثٌ مروّع... والفتاة الرائعة انشلّت رجلاها وخسرت عيناها كما تشوّه وجهها بصورةٍ رهيبة... وبكى شاعرنا حتى جفّ فيه الدمع... وذهب إليها مسرعاً... لكنّها كانت قد أوصت أهلها أن يمنعوه من الدخول، وأن يقولوا له أن يرحل، لأنّها لم تعد الفتاة التي أحب... فرجاهم باكياً أن يسمحوا له إلى أن حنّ قلبهم على من لم يروا منه سيئاً...
دخل وركع أمام فراشها فما كان منها أن قالت: أرجوك اتركني وإنساني... ألا ترى؟... لقد صرت قطعةً من اللحم والعظام لا تنفع شيئاً... ألا ترى؟! لم يعد لدي جمال ولن أرضيك بعد اليوم...
فقال الشاعر: منذ متى وأنت تعتقدين أنّي أحبّ جسداً تستطيع الأيّام ومصائبها أن تدوسه؟... ألا تعلمين أنّي أحبّ روحك ومن دونها لا أعيش؟... أرجوك لا تقولي أنّك لا تستطيعين إرضائي... فإن كنت عمياء، عيناي هما من ينيران طريقك... وإن كنت مشلولة، فجسمي أرجل توصلك إلى حيث تريدين... وإن كنت تعتبرين نفسك بشعة، فأنت أجمل إنسانٍ في نظري...
فمدّت له الفتاة يدها، وراح يقبّلها وهو يجهش بالبكاء...

وفي يوم زفافه منها كان معظم الناس يقولون: لقد جنّ وهو في عزّ شبابه... باستطاعته أن يتزوّج أيّ فتاة، فاختار العمياء والمشلولة منهنّ!!!...
فقلت لهم: هذا هو الحبّ...
فقالوا: حقاً إنّ الحبّ أعمى...
فقلت: لا، الحق أقول أنّه ليس هناك من حبٍّ أعمى، بل هنا أناس عميان... عميان عن الروح...

د. ساسين ميشال النبّوت