This website is being formatted... please be patient until we finish our upgrading...

الأربعاء، تشرين الأول 12، 2005

طفلٌ يكبر

كانت أمي تقضي أوقات النهار بتمرير أناملها بنعومةٍ شديدة على بطنها لتداعبني، فأردّ أنا بركلات خفيفة... وقد أنّها تفرحها لأنّ نبضات قلبها تتراقص فرحاً كلّما فعلت ذلك... ولا أستطيع عدّ الأيام التي كنّا نجلس سوياً، وكانت تقرأ لي قصصاً وأخبار... فتعلّمت الخيال والأحلام وأنا لا أزل في كيس الماء...
كنت رفيقاً يؤنسها كلّ النهار في غياب أبي الذي كان يكدّ ، ليعود في المساء حاملاً أطيب الأطعمة... طبعاً، فبماذا قد يفكّر طفلٌ في طور النمو؟!... أليس بما يستطيع أن يسرق من الغذاء المتوفّر في عروق أمّه... وأقول لكم أنّ أجمل اللحظات عندي كانت عندما أسمع أبي وهو يتغزّل بأمي... وكانت ترتعش أوصالها، ومعها كنت أرتعش أنا، ولا ضير في ذلك كوني الثمرة على شجرة حبهم ... وقد كانت أميّ تخبره بما كانت تحسّ خلال النهار، فيضع أذنه على بطنها كي يسمع نبضات قلبي...
مرّت ستّة أشهر وأنا في بطنها، وكان عدّ الأيام أوّل ما تعلّمته من البشر... وكنت أنصت بتركيزٍ كبير إلى كلّ ما يدور حولي... وأحفظ في قلبي بصمتٍ كلّ ما يقول له البشر أسرار... بما في ذلك أسرار والديّ ... وكنت أزور معها كلّ الأماكن... الأحب على قلبي منها كانت زيارة أقربائي الذين لم أسمع منهم إلا ثناءهم ومحبتهم الكبيرة لها... وكان سؤالهم لها ملازمٌ لأحاسيسي... متى يكون الموعد... متى سألامس هذه الأرض...
لقد انتظرت يوم ولادتي بفارغ الصبر... انتظرته بعدما أحسست بأنّ هذا العالم مليءٌ بالحب والحنان...
في يومٍ من الأيام، تعبت أمي كثيراً من عمل المنزل، خصوصاً وأنّها تتحمل وزني الثقيل... وفي المساء عاد أبي حانقاً مكفهراً، فسألته أمي عن السبب... وما فهمته من حديثيهما أنّ أحدهم، وبسبب خلافاتٍ بين عائلتينا، منع أبي من الترقّي في وظيفته... وكان حزن أميّ شديداً، لدرجةٍ جعلتني أتمنى لو أختصر المسافة بوقتٍ قليل لأنتقم ممّن كان السبب في ذلك... لكن لم يكن لدي القدرة لأخرق الطبيعة، فرحت أنتظر انتهاء مهلة سجني في الرحم، حتى أخرج... أنتظر وأنا أسمع أبي كل يوم يكرر كرهه لهؤلاء... الكره الذي كان آخر ما تعلمته قبل قدومي إلى هذا العالم...
أتى اليوم المنتظر، وكان أفراد عائلتي ينتظرون في الخارج، باستثناء أبي الذي دخل ليمسك بيد أمي، التي كانت تتألم من المخاض...
خرجت إلى العالم، وأول ما قابلته كانت صفعةً من الطبيب على مؤخرتي... وكنت متمنيّاً لو أنّه فهم لغتي في حينها، لكنّي أثبتُ لاحقاً أنّي أكره الأطباء، كما كل الذين يعتقدون أنّهم بضربي يستطيعون تعليمي كيف أعيش... لكن ما هدأ ثورة غضبي كانت أول قبلةٍ أراها مباشرةً... قبلة أعطاها أبي لأمّي...
بعد يومين خرجت من المستشفى، لأمكث لأمدٍ غير محدد في الغرفة التي صنعت وصممت خصيصاً من أجلي... وأكثر ما قمت به كان البكاء، فقد كان وسيلتي الوحيدة للحصول على الطعام...
مرّت سنينٌ خمس، وذهبت إلى المدرسة... وهناك حيثما كان يجب أن أتعلّم، التقيت بابن الذي كان سبباً بتعاسة أمّي وأبي... وماذا حصل؟! هاجمته وأبرحته ضرباً... ولو لم يبعدني أهل النخوة لكنت أكملت حتى مات... فأخذوني وقتها عند الناظرة، التي كانت من أقرباء أبي... فقامت بتهدئتي... وطبعاً سألتني عن سبب تصرفي الأرعن... فقلت ما عندي... لكنّي صدمت بجوابها لي: يا عزيزي... والدك لم تكن له المؤهلات لنيل ذاك المركز... ووالدك هو من غذى الحقد عندما رفضه هذا الرجل...
ماذا تريدون منّي أن أحسّ ذاك الوقت... فلم أعد أرى ما حولي ولا أمامي... وصرت اسمع وأتكلم كمن يهذي.. إلى أن وصلت البيت، وتأكّدت أنّ ما قالته قريبتي صحيح... عندها طبعاً أقفلت على نفسي، ولم أعد أعرف ماذا أقول أو ماذا أفعل...
مرّت الأيام، وتعافيت تدريجياً وبصعوبةٍ كبيرة من الصدمة... وعدت إلى مدرستي... لكنّ الغريب، أنّني كلما كنت ألتقي بذاك الصبي لا أجد نفسي إلا حانقاً غاضباً ، وكنت أضربه حتى بالحجارة إن كان بعيداً عن متناول يديّ... لكنّ قلبي كان يئنَ من ألألم بسبب تصرفي... ولم أستطع يوماً أن أوقف انتقامي التافه ...
فأخذت عهداً على نفسي بأن لا أتكلم عن الكره أمام أولادي، حتى وإن كنت على حقّ... لماذا؟!... لأنّي عرفت ما هي قيمة انتقال الكره بالدم...

د. ساسين ميشال النبوت

هناك تعليقان (2):

Mouche Blue يقول...

ok... the message is well conveyed but I didn't like the approach... it's too subjective!!!

Eve يقول...

غريب أن يقول طبيبٌ إنّه يكره الأطبّاء، أم أنّ هذا طبيعيّ جدّاً؟