This website is being formatted... please be patient until we finish our upgrading...

السبت، كانون الأول ٢٩، ٢٠٠٧

وادي جهنّم





حتى اليوم لم تدُس رِجلٌ بشريّة الكثير من أجزائه… وادي جهنّم، إسمٌ مخيف حُمِّل أكثر من طاقته، وأبعد عنه الناس لسنين عديدة… فلو أنّ جهنّم تشبهه إلى حدٍ قليل، لَما قاوم الناس الخطيئة…
قد يكون المنظار الذي أقيّم به الجمال مختلفاً عن الآخرين، خصوصاً سكّان بلدة مشمش العكّارية الذين يعانون من صعوبة ووعورة طرقاته في كلّ يوم… فهو لهم الوادي العصيّ… أو وادي الجحيم… أمّا بالنسبة لأهالي عكّار الآخرين فجوابهم المشترك لزيارتي ذاك الوادي:” هل جننت لتذهب إلى ذاك المكان… ولو دفعوا لي لا أذهب… عن ماذا كنت تبحث هناك؟ الجمال؟ يوجد منه الكثير ههنا…”.
الهالة التي اكتسبها ارتبطت بأساطير قديمة، بأخبار تناقلها الأهالي وباحداث وُضِعت في سجلات الغرابة… فمن حارس الوادي الظاهر في الصورة أعلاه، إلى قصص اختفاء كثيرين ممّن حاولوا اقتحامه منذ القدم… حتى أصبح القول المشهور عنه: ما من أحد يدخله ونجد جثّته… إضافةً إلى قصص أعراسٍ أقيمت على جوانبه وقضى المحتفلون كلّهم… أضف إلى ذلك ما يسمع من أصواتٍ مخيفة في هدأة الليل، عويل حيواناتٍ وأصوات جيوشٍ تتصارع…
وادي جهنّم…
قد يكون الأكثر خضرةً في لبنان إن لم نقل في كلّ الشرق… الأغنى بالماء بوجود العدد الأكبر من الينابيع في مكانٍ واحد… فهو يستقطب ماء جبال عكّار والضنّية على السواء… وعند نهايته يتشكّل نهر البارد الشمالي…
قد يكون أيضاً الوادي الأعمق مع مئات الأمتار كدرجة عمقٍ وعلى خطٍ واحد… إضافةً إلى حائطٍ صخري ممتد على الجانبين…
كنت أمرّ من فوقه في كلّ زيارةٍ إلى محميّة القمّوعة، وكان يستوقفني في كلّ مرّة… كان يسرق عيناي ويشدّني بقميصي… فوعدته بأني سأزوره يوماً… لكن ليس قبل انتهاء الشتاء…
في يومٍ من نيسان، قلت لجدّي: هل تريد أن تذهب إلى مكانٍ لم تزره في حياتك؟… فلم يُجِب، صعد السيارة مع عصاه، وبدأنا في الصعود صوب الجرود…
غطّ جدّي في النوم طول الطريق، حتى أن سقوط السيارة في الحفر لم يوقظه أو يوقف شخيره… في منتصف المشوار هززته بيدي قائلاً: لم آتِ بك لتنام بل لترى، النوم للبيت يا جدّي… ففتح عيناه نصف فتحة وضحك ثم غطّ في النوم من جديد…
في بلدة مشمش سألت الكثيرين عن المفترق الذي يوصلنا إليه، وكان كلّ واحدٍ يدلّنا على طريق آخر إلى أن اهتدينا أخيراً… وبدأنا رحلة الهبوط على طريقٍ بالكاد اتسّعت للسيارة… حتى أنّي هممت بالنزول على قدمي بسبب الصعوبة في التقدّم… الطريق استحدثت جديداً لتصل بعض قرى الضنيّة المعزولة بقرى عكّار، لكن لا أعتقد أن من يسلكها يستعمل غير البغال…
اضطررت أن أوقف السيارة لأنّ التقدّم صار درجة إضافية فوق الجنون الحالي… بقي جدّي نائماً، فخرجت وسرت لساعتين في الوادي مذهولاً من كلّ هذا الجمال المخفي… ممجّداً الخالق لروعة ما خلق… لم أترك زاويةً إلا ودستها… وأخيراً سلّمت على حارس الوادي وقفلت عائداً إلى السيارة…
وجدت جدّي يسير في مكانٍ ليس بقريب من حيث تركته، مع عكّازه طبعاً… وكان ينظر حوله، ثم إلى فوق وهو مذهولٌ من درجة العمق كما من الجمال…
عندما عدنا، سألت أمّي: أين كنتم اليوم؟. فقال جدّي في وادي الجنّة… جنّة لبنان…

الأحد، أيار ٠٦، ٢٠٠٧

الحاجة أمُّ القرصنة




تطالعنا من وقتٍ لآخر شركات البرمجة العملاقة بطلباتٍ إلى بلدان معظمها في العالم الثالث: شدّدوا الإجراءات، فالقرصنة تفقدنا الكثير من الأرباح… لا شكّ أنّ القرصنة سرقة، كائناً ما كانت الصفات التي نحمّلها إيّاها من فكريّة إلى علمية…
القرص المضغوط الذي يصل إلى أيدينا بأبخس الأثمان، لم يأتي من لا شيء، بل هو نتاج عمل قد يستغرق سنوات…
الكلام في الهواء والطلبات المتكرّرة بإيقاف ذلك أمرٌ سهل… لكن ألا تخال هذه الشركات نفسها، هي التي تفوق ميزانياتها خزائن دولٍ كبرى، ولها من القدرة أقوى من أن تستطيع أقوى البلدان إيقافها أو محاسبتها، أنّها جزءٌ من هذه المشكلة؟…
في العديد من هذه البلدان المتّهمة لا يتجاوز الدخل الشهري للناس سعر قرصٍ مضغوطٍ واحد… ما الحلّ؟ القرص المنسوخ متوافر… أهلاً وسهلاً، نشتري الرخيص…
أليس باستطاعة هذه الشركات التي تجني المليارات من أن تجد حلاً لهؤلاء قبل اتهامهم بالسرقة (التي قاموا بها عن سابق تصوّر)…
الكثير من شركات الطباعة العالمية وجدت حلاً: طبع كتب تحمل وشم “الطبعة العالمية”… نوعية مختلفة من الورق، حبر مختلف، نوعية صور مختلفة، وزن أقلّ… وطبعاً سعر أقلّ. إن كان هذا الشكل لا يعجبك، تفضّل واشتري الآخر إن كنت قادراً على الدفع…
طالما أنّ القرصنة سائرة على قدمٍ وساق، وبما أنّ المال ستخسرونه لا محالة، لماذا لا تتحرّكون بصورةٍ مختلفة، فتبدأوا من ربحٍ قليل، يصبح كثيراً عندما تستقطبون عدداً أكبر من الزبائن…
أعتقد بأنّ واحداً من الحلول المعقولة لكم، تكون بالسيطرة على صناعة الأقراص الجاهزة للنسخ، ورفع أسعارها بشكلٍ معقول، فتتكافأ حينها الأرباح بينكم وبين الجمهور… فيصبح حينها النسخ حلال، لا خطيئةً يحاسب عليها الله…

حوار الدموع




ما إن انتهيا من تناول الغذاء، ركبا السيارة سويّاً واتجها صوب الجبال…
قالت المرأة: إلى أين تأخذني اليوم؟
فقال: إلى مكانٍ جلست فيه كلّ يومٍ منذ صغري… هناك حلمت بك قبل أن أعرفك يا زوجتي العزيزة…
قبَّلتهُ بعيونها، في حين كانت المناظر الخلابة تفرض الصمت كي لا يضيّع اللسان تركيز العيون…
استمرّت السيارة بالصعود وكانت الطريق تزداد وعورةً…
قال لها: الحمدلله أنّ الطريق صعبة…
قالت: لماذا؟
قال: لو كانت جيّدة لما بقي لنا شجرة واحدة… نأمل أن تبقى الدولة غافلة عنّا…
قالت: لا تحمل همّاً… لن تذكرنا يوماً… مئة طلب مثل هذا الطلب…
فحجبت القهقهات بعضٌ من مظاهر الإكتئاب… ثم ساد الصمت من جديد…
ركنا سيّارتهما على جانب الطريق، ترجّلا ثمّ توجّها نزولاً صوب الوادي… لفحت وجهيهما الرياح الباردة، كما تبلّلت ثيابهما بسبب الغيوم التي يهنأ لها الارتياح على السفوح…
وصلا إلى الصخرة التي اعتاد الجلوس عليها والنظر إلى البعيد… إلى موقع يجبر كلّ بَشَريّ على النظر حتى وإن كان أعمىً…
ساد صمتٌ عميق لم يعكّره إلا حفيف بعض الأغصان، وصَفير الرياح في الوادي… وبدأت الدموع بالإنهمار… من عينيه أوّلاً، حتى أنّ الزوجة خالت حبّات المطر تتساقط على وجهه… وفي ثوانٍ انهمر المطر من عيونها أيضا… عانقها بشدّة… وبدأ حِوارُ قطراتِ الروح…
هل سنرى هذه الأرض من جديد؟
هل سترانا هي مرّة أخرى؟
كم سنشتاق لها؟! هل ستشتاق لنا؟
هل سنبقى نحن لتبقى هي؟ هل ستبقى هي ونحن مشتّتين؟!
ما إن لامست الدموع الأرض، حتى تكلّمت الأخيرة قائلةً: لا تخافوا ولا تحزننّ أرواحكم… كنت حُلُماً ولا أزال… ولن أموت ما دام على سطح هذه البسيطة من يحبّني، لأنّي لبنان ولأنّكم كذلك…

قصّتنا مع ضوء البلديّة



كنّا نملك ديكاً ذاع صيته في كلّ القرية، فصيحته كانت المنبّه الذي يوقظ كلّ المزارعين… ما إن تلوح الزُرقة من خلف الجبال، حتى يقف منتصباً على أقوام القش ويبدأ بالصراخ: استيقظوا، ها الصباح قد أتى، والنهار ليس للكسالى… قوموا إلى العمل…
كانت ساعتنا طبيعيّة، تتأقلم معنا، وتعرف فصولنا… حتّى أنها كانت تزيد ساعة وتنقص أخرى في نيسان وتشرين…
بما أنّ بلدتنا صغيرة، فقد حُرِمت من بلديّةٍ تهتمّ بتنسيق أمورها… وكان أيّ عمل يقوم على وساطة واحدٍ من الوجهاء، الذي يستخدم كونه “مفتاحاً” ليقنع القيادات بالتحنّن علينا… في يومٍ من الأيّام رأى أحدهم أنّ القرية مقفرة في الليل، وأنّه لا بدّ من إنارتها… وكان ما كان، فوُضعت المنارات على كلّ الأعمدة، وبسحر ساحر صار “القمر جارنا” لا بل الأقمار والكواكب… فرح الناس وقالوا: ليُنِر الله درب الذي أنار دروبنا…
أطال الأهالي سهرتهم في اليوم الأوّل، فساروا في دروب القرية ذهاباً وإياباً مرّاتٍ عديدة إلى أن غلبهم النعاس… دخلوا غرفهم وبدأت عيونهم بالرقاد… وما إن فعلوا حتى بدأ ديكنا بالصياح… ” استيقظوا، ها الصباح قد أتى، والنهار ليس للكسالى… قوموا إلى العمل…”. قالوا سيهدأ بعد قليل، وضعوا الوسادات فوق رؤوسهم… لم ينفع شيء… الوقت يمرّ والديك يستمرّ بالصراخ، لا بل يزيد أكثر فأكثر… لم يخطر ببال أحدهم يوماً كيف يمكن لطائر صغير أن يصدر صوتاً أزعج من بوق سيارة!
لم ينم الكثيرون طوال الليل… وفي اليوم التالي جاءتنا الشكاوى… “إنّ ديككم مزعجٌ جدّاً… أرجوكم جِدوا له حلاً”…
تفقّدناه، فوجدناه منهكاً هامداً في زاوية البستان… بالكاد تحرّك لمّا اقتربنا منه… عيناه حمراوتين… قلنا: المسكين لم يعتد بعد على الضوء في الليل…
زرناه بعد الظهر، ولم يكن قد أكل من طعامه شيئاً…
جاءت ليلةٌ أخرى، وما إن انتصف الليل وخفّت حركة الناس، بدأ الصياح: “استيقظوا، ها الصباح قد أتى، والنهار ليس للكسالى… قوموا إلى العمل”. بقي يصرخ حتى الصباح، ولم ينم كثيرون…
كلّ النهار التالي قضاه هامداً تحت شجرة الليمون… أنهكته حنجرته وخلاياه الدماغية التي برمجته على ما يفعل… لم يأكل شيئاً… قبضنا عليه بكلّ سهولة، وضعناه في قفص وغطّيناه كي لا يرى النور… وفي اليوم التالي وجدناه جثة هامدة…
حزنت كثيراً… وغضبت أكثر… حتى أنّي لعَنتُ الكهرباء وأضواء “البلديّة”… ومن حينها لم تضء هذه الأنوار… ولم تعد الكهرباء تزور قريتنا… مَن يدري، قد أكون أنا وديكي السبب، وليس الحكومة…
بكلّ الأحوال، لست حزيناً لانقطاع التيّار، فعلى الأقل صرت أستطيع رؤية النجوم من جديد… وموت الديك تساقط نِعماً على هذه الطيور، فمِن حينها والناس في قريتي يمتنعون عن أكل الدجاج، طبعاً لأنّ من هذا القنّ خرج شهيد، ضحّى بنفسه فداءً عن مبدأ “الصياح على الساعة”…

الإستقلال الزائف


وطني يا أجمل كلمةٍ تُلفظ، يا معنىً لا تسعه البحارَ
أنت لنا بالشكل ويحتلّك الغير، فيُعمي الأخيار والأبصارَ
يضغط على الناس ليفرض سياسته، وليعرف كلّ الأسرارَ
يقيم العراقيل ويقلب القيم، إذ جاء للمساعدة فأشاع الدمارَ
يقطع الألسنة الحرّةَ، ويحتجزها في مزّةٍ مرعبةٍ تسحق الأعمارَ
أعاث بالأرض فساداً، وعلّم الناس العيب فسانده الأشرارَ
فكانوا كمن من قبلهم احتلّوه، وزرعوا بيننا مبادئهم استعمارَ
نتغنّى بالإستقلال والأجنبي بيننا، وإنّ في ذلك على الجميع عارَ
تفرحون وتغطبتون، لكن أروني إيّاه وعلى أرضي المقدّسة كلّ يومٍ غارة
أنا لا أؤَمِن الحكّام على القليل، فكيف على شيءٍ مقدّسٍ يملؤنه قذارة
باعوا قيمهم من أجل القليل، ثمّ قتلونا بأيديهم الغدّارة
يوهموننا بالإستقلال والحريّة، بينما لا يستطيعون الأكل بدون مشورة الجارة
يمصّون دم الناس ليدفعوا للغير، إذ وصلوا إلى مركزهم بلا جدارة
أثاروا الحرب الأهلية، فتركوا في قلب كلّ أمٍ حنونٍ أقسى المرارة
هم ارتاحوا وتهنّوا في بيوتهم، ونسوا أنّهم وضعوا في كومة القش شرارة
ولم يتضرّروا، بل زاد مالهم وطفحت ثرواتهم بالأقذارَ
هم سيطروا على كلّ شيءٍ، لنكون لهم خدّاماً وهم في الصدارة!

كتبتها لتُلقى في عيد الإستقلال عندما كنت في الثالثة عشرة… لكن لم يقرأها إلا أبي، وفهمكم كفاية…

ما كتبته أمّي يوم وُلِدت



من ضحكة عينيك أتنشّق سعادتي في كلّ دقيقة… وأرى فيهما كلّ الأيّام لون حبّي لأبيك…
حبّي الذي صرت التاج في ملكه ، فزيّنت العرش بالجمال والرقّة…
عرشي الذي تقوّى بوجودك لأنّه حاز على رضى اللّه…
نعم! وجودك في ضحكك وصراخك الذي ملأ عليّ الدنيا… فصرت المعنى لوجودي وهنائي…
وكما حلمت بك قبل الولادة، بدأت أحلم منذ اللحظة بشفاهك وهي تقبّل وجنتاي… وأحلم بصوتك وأنت تقول: أحبّك يا أمّي…

كهرباء للتوتير




أكاد لا أذكر يوماً مذ وُلدت لم تنقطع فيه الكهرباء… وكلمة تقنين كجزءٍ من مائدتنا اليوميّة…
قد تتوتّر أعصاب البعض لأن فيلماً فاتهم، أو لأنّهم يكرهون الظلمة…
لكن ماذا يفعل من يدقّ الإمتحان بابه؟
هل تكفي الشموع ونورها الخافت الباهت؟ أم أنّ علينا أن نهرق الدموع، فقط لأنّنا لبنانيين، ولأنّنا ابتلينا بحكومات لا ترى أبعد من بيروت الإداريّة!

شريعة أخرى تتجاذبني


من أين لنا الحريّة الكاملة؟ فردّات فعلنا تخرج عن رقابتنا، وعواطفنا لا تنصاع لنا…
نحن في الغالب سجناء عاداتنا… إذ أنّ لماضينا من الثقل ما يرهق حاضرنا، كما أنّ لحاضرنا ثقلاً لا بدّ من أن يضني غدنا…
نحن نضحك ساعة نعرف أنّ علينا أن نبكي، ونأكل كثيراً مع أنّ ذلك يؤذينا… نتكتم ونغضب ساعة نعلم أنّ التعبير عن الأمور بهدوء هو النهج الأسلم… وبناءً عليه نقرّ مع بولس الرسول حين قال: ” الصلاح الذي أريده لا أعمله، والشرّ الذي لا أريده إيّاه أعمل”…
من كتاب رحلة في فصول الحياة.